الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي
77
محجة العلماء في الأدلة العقلية
ليس بمجرد انه دال على كلامه القديم حتى لو كان مخترع هذه الالفاظ غير اللّه تعالى لكان هذا الاطلاق بحاله بل لان له اختصاص آخر به تعالى وهو انه اخترعه بان أوجد أولا الاشكال في اللوح المحفوظ لقوله تعالى بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ) والأصوات في لسان الملك لقوله تعالى ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ) * انتهى فهو صحّح نسبة الكلام اللّفظى إلى اللّه تعالى باعتبار انه أوجد الاشكال في اللّوح والأصوات في لسان الملك فحيث كان هذا كلامه فهو متكلّم بهذا المعنى بالاعتبار الذي زعمه فالمعنى يدعو إلى الالتزام بالكلام النفسي فانّك قد عرفت ان الالتزام به انما هو للالجاء بعد ملاحظة تناقض القياسين فقد التجأ كلّ من الفرق الأربعة إلى كنفسه فلا داعى بعد امكان الاتصاف باللفظ والاعتراف بوقوعه إلى الالتزام بما لا يلتزم به ذو مسكة وليس هذا التهافت من هؤلاء بديعا فان هذا الشيخ الأحمق المسمّى بابى الحسن ظهر في المائة الثالثة وكان تلميذا لأبي علي الجبائي على ما عن شرح العقائد النسفية فجرى بينهما نزاع فانحرف عنه واعرض عن طريقته وهو جعل هو ومن تابعه يجتهدون في ابطال مذهب الاعتزال والمخالفة لهم لا يلوون على حجة ولا ينظرون إلى شاهد يقدمون على الدّعوى يقوم عليها البرهان السّاطع ويعضدها الكتاب الناطق ولا يرتاب فيها أهل العقول فيعمدون إلى القول بخلافها كما في مسئلة الصفات والافعال وقدم القرآن وانتحال الرؤية ومنع تعليل شيء من افعاله ونحو ذلك ولما كان كثير من مسائل الكلام على طريقة لاعتزال كالقول بعدم خلق الافعال وتعليل افعاله تعالى بالاغراض مبنيا على قاعدة التحسين والتقبيح فعمدوا إلى تلك القاعدة العظمى وهدموا أركانها وقرضوا بنيانها وعزلوا العقل عن منصب الحكومة وزعموا انه لا يحسن فعلا ولا يقبح ليس ذلك ببدع فيهم وقد ارتكبوا ما هو أشنع من ذلك في المحسوسات صنع السوفسطائية حذو النعل بالنعل فأجازوا انتفاء الرؤية والسّماع واللّمس وغيرها من الحواس عند اجتماع شرائطها وثبوتها عند انتفائها وجوزوا ان يكون بمرأى ابصارهم وملقى اسماعهم جبال شاهقة وأصوات هائلة ونيران مشتعلة وبحار ذاخرة وسيوف مشتهرة بأيدي الأعداء وقد القى بعض في النّار وبعض في الماء وآخرون تقطع منهم الأعضاء وهم لا يحسّون بشيء من ذلك أصلا وان يبصر أعمى في المشرق دبيب النّملة السّوداء في اللّيلة الظّلماء في المغرب ويسمع الأطروش في أفق حديث النّفس في ابعد الآفاق غاية ما هناك ان هؤلاء بنوا ذلك على جواز انفكاك المعلول عن العلة التّامة وأولئك منهم من بناه على عدم ثبوت حقايق الأشياء حتّى أجازوا أن تكون النار عين الماء ومنهم من جرى على طريقة هؤلاء واثبتوا الحقائق لكنهم منعوا التلازم فقالوا بجواز انقلاب الأواني في الدار فضلاء محققين وأعجب من هذا كله اقتداء هؤلاء به واتباعهم له وهم يشاهدونه كما قال الحكيم الشهرزوري شيخ مسكين متحير في مذاهب الجاهليّة بقول ما شاء لا يعرف اى طرفيه أطول عار عن الحكمتين البحثيّة والذوقيّة لا يرتب حدا ولا يقيم برهانا يخبط خبطة عشواء في الليلة الظلماء حتى جعل سلوك الامام الرّازى طريقية قدحا في شعوره ودليلا على قصوره وناهيك في ذلك قول الشريف معين الدّين اللّاهجى الشافعي الأشعري فيما حكى عنه القاضي الشريف في الاحقاق ليت شعري ما للأشعري لم يجعل مطلب الكلام كالاستواء والنزول والعين واليد والقدم وغير ذلك فإنه ذهب إلى أن كلا من ذلك الايمان به واجب والكيفية مجهولة والسؤال عنه بدعة فلا ادرى لما فرّ عن حقيقة الكلام إلى المجاز البعيد ثمّ قال فاعلم أنه قد يرعد إلى عقيدة جديدة بمجرّد اقتباس قياس لا أساس له مع أنه مناف لصريح القرآن وصحاح الأحاديث مثل ان فعل اللّه تعالى غير معلل بالغرض